Arabic Dutch English French German Japanese Portuguese
FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedinRSS Feed
< أسعار العملات : دولار أمريكى ** بيع:17.79 شراء 17.69 جنية إسترلينى ** بيع :24.185. شراء:23.885 يورو : بيع 21.291 شراء : 21.036ريال سعودى : بيع :4.743 شراء : 4.716 درهم إماراتى : بيع:4,843 شراء :4.843 دينار كويتى : بيع :58,991شراء :58.644

الإثنين, 07 أيلول/سبتمبر 2020 19:17

لنبتعد قليلا عن إيجاز الومضات ولنجرب إسهاب القصص الصندوق الأسود

كتبه 

 

الكاتب \\ احمد بدري 

 

- هل هذا هو الموت؟؟

لا أدري، ولكني أكاد أشم روائحه تنفذ إلى إلى كل بقعة في جسدي

أفكار تزدحم برأسي ، كحفنة من المساجين داخل زنزانة شديدة الضيق، لا متسع لأحدهم بمد ذراعه أو بسط قدمه، ولكنها رغم ذلك أفكار مبهمة، ولا أعلم كيف أصف ذلك

لا أشعر بجسدي ويبدو أن كل خلاياه قد تمردت على سلطة عقلى فلم تعد تستجيب لإشاراته، كل ما أشعر به أنني ممدد على ظهري وذراعاي فوق صدري كوضع مثالي لمومياء مصرية، فقط عيني هي العضو الوحيد الباقي تحت إمرتي، وما أراه يثير في نفسي الرغبة في الصراخ، ولكن لا سبيل لذلك، من الواضح ان ما يحملني ليس فراشا أنه نوع ما من البساط الطائر، و إلا ما معني أنني أحلق في السماء وبتلك السرعة الصاروخية، 

رباه! ..أين أنا هذا ليس بحلم، الأحلام ليست بتلك الدقة التصويرية وكأنني أشاهد فيلما وثائقيا عالي الجودة، الكارثة أن ذلك الحيز الذي أحلق فيه لا علاقة له بالسماء أيضا

أنني أحلق في الفضاء. ......الكون الانهائي المهيب , بذلك الجسد المشلول وتلك السرعة الهائلة! !!!!

على مدى البصر وعلى بعد أميال تحتاج عددا فلكي من الأصفار لحصرها ترى عيناي حشودا من النجوم، أم تراها شموسا؟ ، تتوهج وتخفت كمشاعل القرويين في جنازة ليلية، أجسام عملاقة من الصخور الملتهبة تمرق حولي كالسهام من كل حدب وصوب يتلظى الجحيم من ذيولها، شهب أم مذنبات، لا أتذكر الفارق بينهما، كتل عملاقة من الحجر تسبح في الفضاء، أصغرها يبلغ حجم جبل عملاق، إذن انا خارج ذلك الكوكب اللعين، ولكن ما معنى هذا، ثمة كتلة صخرية تدنو مني أقرب لمساحة مدينة صغيرة، أراها هنالك تلوح بيدها مبتسمة، وجه أمي الحبيب، كم كان الفراق قاسيا، ولئن كان الموت سيجمعني بها فمرحبا به

أعوام عديدة تسربت من بين يدي الزمن بعد رحيلها ولكن النسيان أبى أن يزور خاطري ليوم واحد، لو كانت الروح قابلة للتجزئة لأيقنت أن قطعة هائلة من روحي وذهبت هناك حيث ذهبت، كانت نموذجاً للأم المصرية الباسلة التى عانت من شظف العيش، ورفعت أطفالها فوق كتفيها وهي تخوض في أوحال الفقر دون كلل،قضت أيامها ترتق ثوب الستر بخيوط الصبر، دون أن تشكو أو تيأس، كان موتها غادرا صادما، لم تكن تعاني ذلك اليوم الأسود من شيء، هكذا دخلت إلى فراشها لتنعم بقيلولة الظهيرة، لتستيقظ باحثة عن اكسجين يغيث قصبتها الهوائية،ونظرات الذعر تطل من عينيها وذلك الوجه المحتقن كوجه من يقاوم الغرق وفي ثوان معدودة لم تكفي لأن نصل بها إلى باب المشفى كانت أسلمت روحها النقية إلى بارئها، كانت الصدمة أكبر من الحزن وكان الحزن أعظم من البكاء،إنها من اللحظات القليلة التى يشعر فيها المرء أن الحياة كانت أقسى من اللازم، ربما كان الشيء الإيجابي الوحيد في تلك الميتة، أننا رحمنا نحن وهي من لعنة المستشفيات الحكومية ومن برود موظف إستقبال يتعامل مع المرضى كمدعين الإعياء من أجل كسب المزيد من الإهتمام، أو ممرضة بدينة تلوك اللبان، وتصيح غاضبة

-لو سمحتوا مش عاوزة زحمة

، أو طبيب نوباتجي يتعامل مع المرضى كأجهزة تالفة لا يحق لها أن تتألم أو تشكو. مدخرا جهده لعيادته الخاصة بعد الظهيرة.

كتلة الصخر العملاقة تقترب، أرى أمي بوضوح بإبتسامها الحانية تشيح بكفها مرحبة ترتدي ذلك الثوب الأبيض الذي يضيء ذاتيا بإضاءة شديدة كثيفة نافذة ,حتى شعرت أن الضوء قد تسرب الى داخل جوفي , ومن خلفها مئات ممن مروا بدرب حياتي وماتوا قبلي، جدي. جدتي. أبي. صديق طفولتي الذي مات بحادث. جيراني القدامى. إمام المسجد الذي كنت أرتاده صغيرا، عم سيد البقال صاحب الوجه البشوش. والقلب الطيب والمزيد والمزيد، أشعر بسعادة عارمة، وأنا أتخلص من أعباء الحياة وأذهب بصحبة تلك الوجوه الطيبة، ولكن. .....................

الصخرة تبتعد. تبتعد بسرعة رهيبة، لماذا؟ ، أحاول أن أتحرك فلا أستطيع، فقط أصوب عينان دامعتان إلى موكب الأحباب وهو يتلاشى عن نظري

رباه! أريد أن أتذكر، ماذا أتى بي إلى هنا ؟

 وبغتة انفتحت الزنزانة الكامنة برأسي , وتسربت الأفكار وبدأت في استرجاع الأحداث

كنت في صباح ذلك اليوم أتاهب للذهاب للعمل، وهي عادة كريهة لا اقوي بالطبع على الإقلاع عنها، صباح حار رطب غارق في اللزوجة. والعرق بدأ يتدفق تحت إبطي،و أعلى جبهتي , أغادر بيتي الذي لا أطيقه إلي عملي الذي لا أحبه فمن الطبيعي أن يكون وجهي كالح مجعد ليس من تأثير النوم فحسب، ألقي السيجارة بعد أن سحبت منها نفسا أخيرا واصعد إلى السيارة الميكروباص، أختار مكانا بجوار النافذة الزجاجية كالعادة واجلس تاركا المجال لعقلي بالشرود في أفكاري السوداء، حتى أفقت بغتة على صوت الشجار بين السائق وأحد الزبائن، كان الرجل يصر أن السائق لص جشع ومستغل لأنه رفع تعريفة الأجرة نصف جنيه بينما يصر السائق على أن الرجل وقح قليل التهذيب بالطبع تطور الأمر لتبادل السباب والشتائم التي تطعن في شرف الأم وسمعة الأب، إلى أن تدخل عجوز ملتحي مهدئا الجو مطالبا كليهما بالصلاة على النبي والاستعاذة من الشيطان،نفخت في الهواء مقاوما راغبة في البصاق على وجه ثلاثتهم،سائق جشع نهم للمال على حساب إنسانيته،وثائر بلا مباديء،وعجوز ينشد السلام ولو كان مقابله هو مداهنة الباطل،هناك شخص رابع يستحق أن أبصق على وجهه أيضا، هو ذلك الذي اكتفى بدور المتفرج وانتقد الجميع دون أن يحرك ساكناً

 

عاد الهدوء واستكمل السائق القيادة ولكن انعكاس وجهه على المرأة كان يحمل شراسة وغلا وحقدا على العالم، وكما توقعت أفرغ مخزون غضبه في قيادة السيارة بشكل أخرق وبعنف حتي أننا جميعا كنا نتواثب فوق المقاعد وكأننا في مدينة الملاهي ولم يجرؤ أحدنا بطبيعة الحال بمطالبته بالتروي لأنه كان في ذروة الغضب الذي يسبق الإنفجار، وأستمر في قيادته الرعناء دقيقتين حتى اصطدم أخيرا بشاحنة عملاقة كانت تسير بجوارنا، أخر ما أتذكره تلك الضربة القاتلة التي تلقيتها على رأسي، شعرت بأن دماغي قد شجت، ثم تدفق شلال الدم الساخن المالح علي وجهى وعيني. حاولت الصراخ فلم أستطع بينما تسرب وعيي رويدا رويداً

إذن هذا ما حدث، إنني الآن في اللحظ

 

 

 

أحمد بدري

وسائط

المزيد من الاخبار

السبت, ۲۴ تشرين۱/أكتوير ۲۰۲۰
السبت, ۰۷ ربيع الأول ۱۴۴۲