Arabic Dutch English French German Japanese Portuguese
FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedinRSS Feed
< أسعار العملات : دولار أمريكى ** بيع:17.79 شراء 17.69 جنية إسترلينى ** بيع :24.185. شراء:23.885 يورو : بيع 21.291 شراء : 21.036ريال سعودى : بيع :4.743 شراء : 4.716 درهم إماراتى : بيع:4,843 شراء :4.843 دينار كويتى : بيع :58,991شراء :58.644

الأربعاء, 16 أيلول/سبتمبر 2020 22:27

و أرسل القمر شعاعه

كتبه 

 

بقلم: إسماعيل عبد الرازق

 

حبها لتسلق الجبال كان مسيطرا على عقلها لدرجة لا يمكن معها كبح جماح انطلاقها، أو ردها عن ذلك إلا إذا استطعت رد الريح فى مطلق الفضاء، يشاركها تلك الهواية -عن ضيق، أو رغب، أو احتمال- صديقتها التى تخاف من كل ما ارتفع بقدر الأبنية العالية، فما بالك بالجبال الشاهقة، ومشاركتها كانت؛ لتأنس بها، لا لتشاركها التسلق، جولات كثيرة فى تلك الأماكن الزاخرة بقوت النفس مما يفتن هذه المغامِرة، ولم تستطع صديقتها يوما ردها عما تروم. 

كانت شمس أحد الأيام تلوح بالوداع، حين تمكنت من صعود هذا الجبل الشاهق، وتلوح جذلى من قمته للصديقة القلقة، وصديقتها ترد التحية، ولكن ثمة غمامة تحوم فى رأسها كالهذيان الذى تعرفه و لا تحققه، كم كانت اللحظات قاسية دون فهم لسبب قسوتها، دق قلب الصديقة بعنف فى حنايا  صدرها، سقطت صديقتها المغامرة فجأة، علقت، ثم استماتت متمسكة بالأمل فى ما يأسر البشر من هوالك المادية العاجلة. 

 سقطتها تلك لم ترد الرحيل قبل ترك بصمة قبيحة، على وجه كان جميلا، مفعما بالصفاء، صار بعدها مشوها بما جد عليه، عقلت الدهشة تفكير الصديقة، لكنها سرعان ما انتفضت و تحركت؛ لتنقذ صديقة عمرها، وعاندت الصروف، وثابرت حتى نقلتها للمشفى، الذى تحرك تحرك نحل الخلية، متسابقا مع عقارب الساعة، وأخيرا أعلن طاقم الأطباء نجاتها. 

ألقت نفس الشمس فى اليوم التالي  أول شعاع للنهار الباسم، كمن نثر على الأطفال ما يلذ من الحلوى، أو أترفهم بما يرام من الإدام، وألقت المسكينة نظرتها على مرآة طلبتها من إحدى الممرضات، و لشد ما راعها ما رأت، ثم تحول الروع لحزن دفين يعتصرها من رأسها لأخمص قدمها. 

أدركت أن ساعة الفراق قد حانت، وأن الأنانية و القسوة وحدهما ما يجعلها تجبر زوجها، حبيب عمرها، على أن يتحمل هذا الوجه، الذى لم يحتفظ حتى بنصف جماله الذاهب بلا رجعة، تنهدت، تململت، ثم أوصت بمنع الزيارات ملحة متوسلة، فما كان إلا أن أجيب طلبها. 

علم الزوج المكلوم ما حدث؛ فقطع رحلة عمله، وطوى الأرض طيا، آملًا بعد الرجوع أن يفوز بدفء ضمتها المخلصة، وقبلة اللقاء الحانية، وألَّا يفجعه الله فى مليكة قلبه، و لكم كانت دهشته بسبب رفض الزيارة التى قام بها مرارا. 

استقل سيارته، وذهب إلى الصديقة التي كانت أقرب الناس لها، لم تستطع الأخيرة إخفاء الأمر عنه، وقد تركت له الخيار بعد أن أرته صورة حبيبته و زوجته، وما آلت إليه ملامحها الجميلة. 

انتفض الزوج، وخرج دون أن تزايل بنات شفتيه محلها، وتوجه من فوره إلى المشفى، وأخبر الطبيب المختص: أنه لن يبرح الأرض عاكفا حتى تأذن له زوجته بزيارتها؛ لأن لديه ما يريد قوله لها فى هذه الزيارة التي وعد أن تكون الأخيرة. 

لم تجد الزوجة الكلمى إلا مواجهة الأمر، ووافقت حين علمت وعده، واستراحت لهذا الوعد الذى ينذر بالفراق، وحين ولج إلى الحجرة، التقى قلب بقلب، عقل و روح بعقل و روح، لم يتولَّ الحديث إلا بكاء يكاد يقصم الصدرين، على أنه ليس بكاء حزن و لا ألم، بل بكاء شوق لم تستطع يد المصاب كبحه، ولم توهنه عثرات الجمال، ولم يغيره زائل الشكل الخارجي، بل كانت دقات القلبين كما هى، وخوالج الروحين بلا تغير، طبع قبلة على جبينها المكدود، ثم اعتدل قائلًا: هيا؛ فلدينا الكثير ينتظرنا، تلعثمت و هى تسأل فى حرارة : ألم تعد أنها آخر زيارة؟! 

أجاب مبتسما: بلى فالزيارة تكون بين البعيدين، ونحن لم نكن ، ولن نكون بعيدين؛ 

هل سمعتِ يوما عن أحد يزور نفسه؟ 

وجدت نفسها كطفلة بين ذراعيه، و قد أرسل القمر شعاعه الحاني مربتًا على كتفيهما، فى لحظة نسج الوفاء خيوطها.

وسائط

المزيد من الاخبار

السبت, ۲۴ تشرين۱/أكتوير ۲۰۲۰
السبت, ۰۷ ربيع الأول ۱۴۴۲